featured image

من المتسبب في ارتفاع أسعار الأراضي الزراعية؟ الحكومة أم الفاسدون أم المواطن!


منذ شهرين

featured image

من المتسبب في ارتفاع أسعار الأراضي الزراعية؟ الحكومة أم الفاسدون أم المواطن!


منذ شهرين

ملف- سياسة+

منذ مايقرب عشرين عاما أي بعد سقوط النظام، نشأت ظواهر عديدة وغريبة تحمل أكثر من وجه للحق والباطل، للقانوني وغير القانوني، للتحضر والغاب، لعل أحدها وأهمها ظاهرة السكن العشوائي واستغلال الأراضي الزراعية للسكن من قبل المواطنين، بعد أن وجدوا أن هذا الحل يبعدهم عن افتراش أرض خالية من سقف.

فقد شهدت أسعار الأراضي الزراعية في العراق ارتفاعاً خلال الأيام الماضية، بعد خطوة حكومية سمحت للمواطنين بتسجيل منازلهم التي شيدوها على أراضٍ زراعية في السنوات العشرين الماضية، الأمر الذي دعا مسؤولين إلى التأكيد أنّ إقبال البعض على شراء الأراضي الزراعية هذه الفترة بغية تحويلها إلى نشاط عقاري غير قانوني، مشددين على أنّ الخطوة الحكومية الرامية إلى توفيق أوضاع العقارات تشمل المباني القديمة فقط.

ويتوافد مئات آلاف العراقيين إلى دوائر البلدية في عموم محافظات البلاد، لبدء تسجيل منازلهم التي بُنيت على الأراضي الزراعية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وذلك لغرض تحويلها رسمياً من أراضٍ زراعية إلى مساحات سكنية شرعية، بعد سنوات من قلق إزالتها من السلطات بسبب امتناع الحكومات المتعاقبة عن الاعتراف بهذه المنازل، رغم أنها باتت تشكل ما يزيد على 60% من أعداد المنازل في العراق.

وأقر مجلس الوزراء العراقي، قبل أيام، تغيير الاستعمالات المختلفة للأراضي المشيّدة عليها وحدات سكنية بشكل عشوائي والمملوكة للدولة. وقد أدلى ثلاثة مسؤولين في دوائر بلدية بغداد وبابل وكربلاء بحقائق استنتاجية بهذا الشأن، حيث فقالوا إنّ “الأيام الماضية شهدت إقبالاً كبيراً لأهالي الراغبين في تحويل وضع منازلهم من زراعية إلى سكنية، والحصول على سند خاص بهم، وهو ما سيؤدي في وقت لاحق إلى التساوي من ناحية السعر مع بقية المنازل القديمة الرسمية”. وأكدوا أنّ “هذا القرار لا ينطبق على المنازل فقط، بل على جميع الأراضي الزراعية التي استُخدِمَت كمساحات سكنية، أو أنها لا تؤثر بالمناطق الخضراء والبساتين الزراعية التي تخضع لسلطة وزارة الزراعية”.

ولفت أحد المسؤولين الذي فضل عدم ذكر اسمه إلى أنّ “هناك فهماً خاطئاً لدى بعض العراقيين، أدى بهم إلى ضرر كبير للأسف، خصوصاً أنهم توجهوا خلال الأسبوع الماضي إلى شراء الأراضي الزراعية في سبيل تحويلها إلى سكنية، لكن القرار الحكومي كان واضحاً، والأراضي والمنازل المشيدة على الأراضي الزراعية التي سيُحوَّل تصنيفها إلى سكني، سيكون من قبل القرار الحكومي وليس من بعده، لذلك فقد ارتفعت أسعار الأراضي الزراعية خلال الأيام الماضية، ظناً من بعض العراقيين أن الشراء بعد القرار سيؤدي إلى تحويل جنس تلك الأراضي”.

من جهته، قال المتحدث باسم الأمانة العامة لمجلس الوزراء، حيدر مجيد، في تصريح لجهات إعلامية إنّ “قرار تحويل جنس الأراضي الزراعية إلى سكنية، يدعم مبادرات السكن للمواطنين، إضافة إلى كون المناطق والأحياء الجديدة ستُشمل بالخدمات والبنى التحتية”.

بدوره، رأى المتحدث باسم وزارة الزراعة، حميد النايف، أنّ قرار توفيق أوضاع المباني السكنية على الأراضي الزراعية “لن يؤثر في الواقع الزراعي، لأنها أراضٍ سكنها العراقيون منذ أكثر من عشر سنوات، وباتت غير صالحة للزراعة، وتحولت إلى سكنية بشكل كامل”. وأضاف النايف أنّ “تقنين وضع هذه الأراضي لن يكون مجانياً، فهناك رسوم سيدفعها المستفيد من قرار التمليك، وهذه الأجور تُحدد من خلال تقييم سعر الأرض”.

وكانت وزارة التخطيط العراقية قد كشفت في دراسة لها أخيراً، أن سكان العشوائيات في العراق يمثلون حوالى 12% من مجموع السكان، وأن المساكن العشوائية تشكل حوالى 16% من مجموع المساكن. ووصف الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، القرار الحكومي بتسجيل المباني على الأراضي الزراعية بالجيد، مشيراً إلى أنّه يحل أكثر من مشكلة في آن واحد. وأوضح المشهداني في تصريح خاص أنّ “القرار يعالج أزمة السكن وينهي ملف الأراضي الزراعية التي تستغل لأغراض السكن، كذلك ستحصل الدولة على أموال من خلال الرسوم التي ستفرضها على المستفيدين، فضلاً عن أنه سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأملاك في المحافظات التي تشهد زخماً سكانياً، وتحديداً العاصمة بغداد. لكن الخبير الاقتصادي العراقي، لفت إلى أنّ هذا القرار لن ينهي تماماً أزمة السكن التي ستظل مستمرة، خصوصاً مع وجود الأحياء العشوائية أو ما يُعرف بـ “الحواسم”، التي يسكنها عراقيون من المتعففين والفقراء، وبعض المطلوبين للقضاء.

ويشير إلى أن غالبية محاولات الحكومات العراقية المتعاقبة لحل أزمة السكن، منذ عام 2003 حتى الآن، لم تسفر عن أي حلول، وتفاوتت هذه المحاولات بين فتح المجال لمنح قروض مالية للمواطنين تُعرف باسم قروض السكن، وتوفير مواد بناء بأسعار مدعومة، وتوزيع أرض سكنية بمساحة تراوح بين 200 و250 متراً على شرائح مختلفة من المواطنين.

وبهذه الحلول الترقيعية والوقتية والهامشية، يبقى ملف تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية مفتوحا، ذلك أن نسبة الساكنين حاليا في أراض زراعية دون إذن من الدوائر المعنية، بلغت أعدادا لايمكن احتوائها بقرارات حبر على ورق، لاسيما أن زيادة السكان آخذة بالتضاعف كل عام، وبالتالي فإن الحاجة إلى أراض سكنية يتضاعف أيضا. أما الذين يسعون إلى المتاجرة فيها خارج القانون، فهم يقتنصون الفرص ويستغلون ظاهرة الفساد التي يمارسها بعض موظفي دوائر العقارات، فيعيثون في الأرض الزراعية فسادا يأتي على الأخضر واليابس منها.